ابن أبي الحديد

24

شرح نهج البلاغة

وهم لها كارهون ، فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار ، توسموا بسيما الصالحين ، ليظن المسلمون بهم خيرا ، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم ، وقالوا : حسابهم على الله ، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم ، والله ما زادهم طول العمر إلا غيا ، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا ، فجاهدهم ولا ترض دنية ، ولا تقبل خسفا ( 1 ) ، فإن عليا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب ، وإنهم يعلمون أنه أولى بالامر أن حكموا بالعدل ، فلما حكموا بالهوى ، رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله ، ولا تخرجن من حق أنت أولى به ، حتى يحول الموت دون ذلك . والسلام . قال المدائني : وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية : من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين ، فأظهر به الحق ، وقمع به الشرك ، وأعز به العرب عامة ، وشرف به قريشا خاصة ، فقال : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ( 2 ) ، فلما توفاه الله تنازعت العرب في الامر بعده ، فقالت قريش : نحن عشيرته وأولياؤه ، فلا تنازعونا سلطانه ، فعرفت العرب لقريش ذلك ، وجاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب ، فهيهات ! ما أنصفتنا قريش وقد كانوا ذوي فضيلة في الدين ، وسابقة في الاسلام ، ولا غرو ( 3 ) إلا منازعته إيانا الامر بغير حق في الدنيا معروف ، ولا أثر في الاسلام محمود ، فالله الموعد ، نسأل الله ألا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة . إن عليا لما توفاه الله ولاني المسلمون الامر بعده ، فاتق الله يا معاوية ، وانظر لامة محمد

--> ( 1 ) خسفا ، أي ذلا . ( 2 ) سورة الزخرف 44 . ( 3 ) لا غرو ، أي لا عجب .